الغزالي

159

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

لمن يعلم أنّ القدر حقّ كيف ينصب « 1 » ! وقدم على معاوية رضي اللّه عنه رجل من نجران عمره مئتا سنة ، فسأله عن الدنيا كيف وجدها ؟ فقال : سنيّات بلاء ، وسنيّات رخاء ، يوم فيوم ، وليلة فليلة ، يولد ولد ، ويهلك هالك ، فلولا المولود لباد « 2 » الخلق ، ولولا الهالك لضاقت الدنيا بمن فيها . فقال له : سل ما شئت . قال : عمر مضى فتردّه ، أو أجل حضر فتدفعه . قال : لا أملك ذلك . قال : لا حاجة لي إليك . وقال داود الطائي رحمه اللّه : يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك ، وإنّما بلغته بانقضاء أجلك ، ثم سوّفت « 3 » بعملك كأنّ منفعته لغيرك . وقال بشر : من سأل اللّه الدنيا ، فإنّما يسأله طول الوقوف بين يديه . وقال أبو حازم : ما في الدّنيا شيء يسرّك إلا وقد ألصق اللّه إليه شيئا يسوؤك . وقال الحسن : لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث : أنّه لم يشبع مما جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه . وقيل لبعض العبّاد : قد نلت الغنى . فقال : إنّما نال الغنى من عتق من رقّ الدنيا . وقال أبو سليمان : لا يصبر عن شهوات الدّنيا إلّا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة . وقال مالك بن دينار : اصطلحنا على حبّ الدنيا ، فلا يأمر بعضنا بعضا ، ولا ينهى بعضنا بعضا ، ولا يدعنا اللّه على هذا . فليت شعري أيّ عذاب اللّه ينزل علينا ! ؟ وقال أبو حازم : يسير « 4 » الدنيا يشغل عن كثير الآخرة . وقال الحسن : أهينوا الدنيا ، فواللّه ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها .

--> ( 1 ) ينصب : يتعب . ( 2 ) باد : فني وانتهى . ( 3 ) سوّفت : أخرّت . ( 4 ) يسير : قليل .